اكتاباتهم.. تفضحهم!
نشر بتاريخ: 2026-08-09 الساعة: 06:30
حسن حميد
انهممت خلال سنوات وعيي كلها، أن أقرأ وأتابع وأرصد كل ما استطعت الوصول إليه من أقوال ووثائق وحوارات ورسائل وكتابات صدرت في كتب، لمن عرفوا بأنهم هم من أسسوا المشروع الصهيوني، منذ القرن التاسع عشر، وبذوره الأولى في المجتمع الغربي، ولا سيما بريطانيا، وحتى أوقاتنا الراهنة اليوم.
لقد سعيت إلى معرفة كيف يفكر هؤلاء، وما هي ثقافتهم، وما هي المرتكزات التي استندوا إليها، وما هي الأفعال التي قاموا بها، وما هي مؤهلاتهم، وما هي مصداقية ما قالوه، ومن كان الظهير لهم، وما هي الوسائل المعينة لهم التي استخدموها، وأين هي مواضعات ما هو ديني، وتاريخي ، وواقعي، وخيالي، وأين هي حدود الصدق ومداه، وأين هي حدود الكذب ومداه؛ نعم، سعيت إلى هذا كله، ليس لأنهم سرقوا بلادي العزيزة فلسطين وحسب، ولا لأنهم استحوذوا على تعاطف أقوى دول الدنيا وحسب، ولا لأنهم ما زالوا يكذبون ويكذبون ويكذبون ويكذبون وحسب، لقد سعيت إلى معرفتهم من أجل أن أقول سطراً واحداً: صحيح ، أن الكذب قوة حين يتحالف مع السلاح، وأصحاب الأيدي السود، والرقاب الغليظة، والرؤوس المغلقة الناشفة، ولكن مآل هذه القوة، وفي طيها السيطرة والوحشية والإخافة، هو الزوال والذوبان مثل ندف الثلج، مهما قست كتلها، لأن نهايتها المحتومة هي الذوبان.
لقد قرأت مذكرات كثيرة لهؤلاء الذين تفاخروا بأنهم أسسوا المشروع الصهيوني في بلادنا العزيزة فلسطين، وفي بعض ادعاءاتهم وقائع تجلت على الأرض عياناً، فقد اخذوا معظم الأراضي الفلسطينية بالقوة والإخافة، والظلم والتوحش، منذ أن بنوا المستوطنة الأولى في القرن التاسع عشر في بلادنا الفلسطينية تحت أسباب واهية، كاذبة وأبداها أنهم ضحايا لظلم الآخرين، في المجتمعات التي أقاموا فيها(غيتواتهم)، وهم لا يريدون سوى العيش بعيداً عن المطاردة والقتل والظلم!
هرتزل (1860-1904) وفي يومياته، والقسم الكبير منها لم يترجم إلى اللغة العربية بعد، رمى مدينة القدس حين زارها، بكل صفات الشناءة ثم قال: لكن لا بد منها، لأن اليهود يريدونها؛ وقد كتب رواية عن القدس (أورشاليم قديمة/ جديدة) قارن فيها بين زمنين، ومكانين، وحالين، وحلمين، أحدهما قديم، وثانيهما جديد، الأول يراد له أن يدفن ويغور بين تضاعيف النسيان، والثاني يراد له أن يشب وينهض بوصفه الغاية الجوهرية لمتطلبات الراهن، وهو لن يتحقق إلا باغتصاب المدينة (القدس)، وطرد سكانها الأصليين، وفرض وقائع اجتماعية وثقافية واقتصادية جديدة، أي إحداث مغايرة كلية وشاملة تطال كل شيء من أجل زمن جديد، وحياة جديدة، ومن دون النظر إلى مآلات الأرض، والسكان الأصليين الذين بنوا وعمروا وزرعوا وصنعوا وكتبوا وأبدعوا، وأي مصير سيواجهون، وما هو شكل الحياة التي سيعيشونها حين يقتلعون من أرضهم، وما هو شكل الظلم الذي سيطالهم بحرائقه، ومن دون النظر أيضاً إلى ما سيقوله العالم عن هذه الجريمة، جريمة الاستعمار الجديد، وجريمة الاحتلال الجديد، وجريمة المجازر الجديدة، وجريمة القوة الباطشة التي ستطال الأرض والعمران والناس، وكل وجوه الحياة وشؤونها، لذلك، وبسبب ما امتلكوه من قوة، وما عرفوه ووعوه، بأنهم لن يتعرضوا لعقاب، منذ عام 1917، وحتى يوم الناس هذا، راحت القوة تلد القوة، والظلم يلد الظلم، والإخافة تلد الإخافة، والقتل يلد القتل، والوحشية تلد الوقاحة، والغطرسة، والاعتقال، والسجون، واللامبالاة، والكذب، والبهتان، والصداقة!
كل ما قاله (هرتزل) في يومياته يرمي إلى احتلال فلسطين، وجمع اليهود فيها، بالدعوة والنداء والاغراء والاخافة، ومن جميع أنحاء الدنيا، وأيا كانت صفاتهم ومؤهلاتهم وأحوالهم؛ العالم منهم وقاطع الطريق، وبمساعدة القوة الغربية ودعمها المتواصل وبلا حدود، للهجرة إلى البلاد الفلسطينية، وقد لفتت دعوته انتباه العالم الغربي الذي عانى كثيراً من السلوكيات الشائنة لليهود في البلاد الأوروبية، وغير الأوروبية أيضاً، بوصفها حالاً تؤيد الخلاص من اليهود، ونظافة المجتمع الغربي منهم، حين يغادرون.. بالهجرة (الطوعية والقسرية معاً) إلى البلاد الفلسطينية، وقد قابل (هرتزل)، بعون من حكام العالم الغربي، ألمانيا تحديداً، وروسيا القيصرية، السلطان العثماني ثلاث مرات، وأغراه بالذهب، لأن العثمانيين كانوا يعانون من ضائقة مالية، طالباً منه أن يعيد اليهود إلى فلسطين، وقد اقترح عليه سلطان العثمانيين أمكنة أخرى كبدائل عن الأرض الفلسطينية، ومنها قبرص، وسيناء، وبابل العراقية، لكنه رفضها جميعاً، وبدلاً من أن يرفض السلطان العثماني رفضه، راح يعطي فرمانات من أجل إنشاء مستوطنات لليهود فوق الأرض الفلسطينية، ومنها قرى، ومزارع، ومنشآت أخرى، شرط أن تكون بعيدة عن القدس لأنها وقف إسلامي، حتى تكاثرت المستوطنات اليهودية، وتكاثرت، بذريعة الحماية الاجتماعية لهم من ظلم المجتمعات الغربية، والروسية أيام القياصرة.
دائماً، وفي زياراته الثلاث، كان (هرتزل) يقول للسلطان العثماني، جئت بالذهب، وهو في حقيبتي، وبمقدوري تسليمه إليكم الآن، وكان السلطان العثماني يرفض من حيث المبدأ، لأن القدس ليست للبيع بوصفها وقفا ًإسلامياً، لكنه تراخى فأعطى مساحات من الأراضي الفلسطينية لليهود، كانت تحت سيطرة السلطة العثمانية، أي الأراضي التي سميت بـ أرض( الجفتلك)، وباعتها سرا للصندوق القومي اليهودي، والشركات المتعاونة مع اليهود، وقبضت ثمنها ذهباً، وأهل الأرض لا يعلمون عن البيع والشراء شيئاً، وقد شكلت هذه المستوطنات اليهودية البقع السحرية التي جذبت إليها يهوداً من بلدان الغرب، والشرق، وبها أسس اليهود حضورهم الذي سيبدو لاحقاً فوق الأراضي الفلسطينية.
بلى، لم تكن يوميات (هرتزل)، هي الكتاب الوحيد الفاضح لأسرار المشروع الصهيوني، والذي يشير بوقاحة إلى أطماع اليهود في البلاد الفلسطينية، والجهر برغبتهم الحاقدة، بالخلاص من الفلسطينيين، وبكل الطرق والوسائل الوحشية، منذ عام(1917) وحتى يومنا الراهن، من الطرد، والتهجير، إلى الاعتقال، والقتل، والتهديد، والإخافة، ونسف البيوت، واقتراف المجازر الدموية؛ بل تلت هذه اليوميات، سير ذاتية أشارت بوضوح إلى غاية واحدة ذات شقين، الأول: هو احتلال المزيد من الأراضي الفلسطينية، والثاني: هو طرد المزيد من الفلسطينيين، والخلاص منهم بأي طريقة كانت!
هذا ما سنراه بوضوح ووقاحة أكثر في مذكرات بن غوريون (1886-1973)، وحاييم وايزمان (1874-1952) ومن جاء بعدهما حاكماً، من أصحاب النفوذ والقوة الإسرائيليين، وقد تباروا جميعاً بالمباهاة بالقوة الإسرائيلية، وسعوا جميعاً إلى تفريغ الأيدي الفلسطينية من كل شكل من أشكال القوة التي تمكن الفلسطينيين من مواجهتهم، بعدما جعلوا البلاد الفلسطينية ترسانة لقوة الظلم التي أدت إلى انتشار الويلات، والمجازر، والسجون، ومقابر الأرقام وتعددها، بسبب قتلهم اليومي لكل فلسطيني يقول: بلادي، بلادي!
أجل، كانت قناعتي، ولم تزل، بأننا لن نعرف الإسرائيليين إلا من سلوكهم، وكتاباتهم بوصفها شكلاً من أشكال سلوكهم المفضوح الذي يريد كل شيء بالقوة والإخافة والغطرسة، فكتاباتهم تطفح بالحقد، والعنصرية، والكذب، والتلفيق، والدموية، والكراهية السوداء.. لأنهم يرون في الفلسطينيين أغيارا(غوييم)، والخلاص منهم هو غاية الغايات، بل هو عقيدة دينية!
هذه الكتابات، وقد تكاثرت وتعددت وترادفت، هي التي تعرف بذهنيتهم القائمة على كراهية الآخر، وسفك دمه!
Hasanhamid5656@gmail.com
mat