"الترانسفير" الأكبر في أفق الرغبة الصهيونية
نشر بتاريخ: 2026-10-12 الساعة: 18:40
أنطوان شلحت
جنود الاحتلال يوفرون الحماية لمستوطنين خلال اعتدائهم على فلسطينيين يقطفون الزيتون في قرية بيتا جنوب نابلس، 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 (Getty Images)
جاء أكاديمي إسرائيلي أخيراً على تحوّل ثقافي طرأ على المجتمع الإسرائيلي بعد هجوم 7 أكتوبر (2023)، فحواه، بتعبيره المخصوص، اتساع حدود الشرعية لاستخدام العنف ضد الفلسطينيين وأملاكهم، بحيث بات استخدام العنف علنياً بعدما كان يُخفى في الماضي، بل أصبح مصدر فخر لمرتكبيه.
وفي ضوء هذا، لم تعُد للوقائع بحد ذاتها القيمة التي كانت لها في السابق، فما كان خفياً أصبح سياسة مُعلنة، وبعض نصوص منظمة "لنكسر الصمت"، التي تروم أن تفضح جرائم الجيش الإسرائيلي، تبدو اليوم كأنها صدى لمقاطع فيديو لجنود يتفاخرون بعنفهم. وبحسب هذا التحوّل، ثمة احتمال بأن يلجأ بعضٌ إلى تقديم فيلم "نازا" الإسرائيلي الوثائقي بوصفه قصيدة مديح للتكنولوجيا الإسرائيلية فائقة الجودة، وليس وصمة عار.
وقد دفع هذا التحوّل البعض إلى التركيز أيضاً على الجرائم التي يرتكبها المستوطنون بالتنويه بمسألتين متصلتين: الأولى، أن هذه الجرائم لا تحظى بضوء أخضر من معظم المؤسسة السياسية والمؤسسة الأمنية فقط، بل تحظى بتأييد الرأي العام في إسرائيل أيضاً، ومثلما كتبت صحافية إسرائيلية أخيراً، ليست وسائل الإعلام الإسرائيلية وحدها المسؤولة عن إخفاء الجرائم الواضحة ضد الفلسطينيين، بل "الشعب اليهودي في إسرائيل، الذي يرفض أن يُقلق أحد راحته، باستثناء تلك الأقلية الصغيرة التي تعارض هذه الجرائم".
ما تجدر الإشارة إليه في هذا الشأن أن وزير الأمن الإسرائيلي الحالي، يسرائيل كاتس، الذي أعلن أخيراً أن خطة تهجير الفلسطينيين لا سيما من قطاع غزّة ما زالت مطروحة في جدول أعمال الحكومة الإسرائيلية، دفع في 2008 نحو إضافة بند جديد إلى قانون العقوبات الإسرائيلي يسمح للمرء بإطلاق النار والقتل دفاعاً عن أملاكه: منزل سكني، أو محل تجاري، أو مزرعة زراعية تشمل أيضاً أرضاً للرعي، ويُعرف هذا البند شعبياً باسم "قانون شاي درومي"، نسبةً إلى مُزارع في النقب أطلق النار على رجل بدوي اقتحم أرضه، فأرداه قتيلاً.
وبحسب منظمات حقوق الإنسان، شهدت الضفة الغربية في عام 2025 وحده ما لا يقلّ عن 1,836 حالة من هذا النوع يمكن تسميتها "حالات شاي درومي"، وهي عدد الاعتداءات التي ارتكبها مستوطنون يهود ضد فلسطينيين فيه، وشملت إلحاق الأذى بالأرواح والأجساد والأشخاص والنباتات والحيوانات والأملاك الأُخرى.
والمسألة الثانية أن "الترانسفير" الأكبر بقي موجوداً على الدوام في أفق الخيال والرغبة الصهيونية ولم يُمح نهائياً، بل ثمة في كل جيل من يهتم به ويضعه هدفاً للتنفيذ. وقبل "7 أكتوبر" كان ثمة خط متتابع، ولو كان متعرّجاً، يصل بين الأعمال التي توصف بأنها فردية، غير منظمة ظاهرياً، تنفذها عصابات "تدفيع الثمن" في الضفة الغربية، ومشاريع الطرد الرسمية لدى دولة الاحتلال.
وليس في هذا ما يبعث على المفاجأة، وينبغي ألا يثير المفاجأة، مثلما يؤكد أحد الأساتذة الجامعيين في إسرائيل، إذ وُجد "تدفيع الثمن" نفسه وتبلور في عقول ممثلين رسميين لإسرائيل في المجالس الإقليمية، يتلقون الدعم من الجيش والمؤسسة السياسية. وكانت دراسة أجرتها منظمة "يش دين" (يوجد قانون) لحقوق الإنسان على مدى عدة أعوام قد كشفت أن من بين جميع ملفات التحقيق التي فتحتها شرطة الضفة الغربية بشأن مخالفات ارتكبها المستوطنون بحق فلسطينيين، انتهى 8% منها فقط بتقديم لوائح اتهام وخلصت 3% منها فقط إلى الإدانة.
والجديد الذي نلاحظه في الأشهر الأخيرة انزلاق هذه الجرائم إلى داخل حدود "الخط الأخضر". وليس معنى هذا أن هذه الاعتداءات لم تكن تحدُث هنا في السابق... ولا تخرج السلطات المسؤولة عن طورها في محاربة اليهود الذين ينفذون اعتداءات إجرامية كهذه، مثلما أنها لا تبذل أي جهد حقيقي من أجل معالجة الجريمة المتفشية بين الفلسطينيين أنفسهم في إسرائيل ومحاربتها.
mat