أذكى الاستراتيجيات السياسية والعسكرية .." فرق تسد " جزء أول
نشر بتاريخ: 2026-03-26 الساعة: 15:58
كتب / قناص
تُعد سياسة "فرّق تَسُد" (Divide and Conquer) واحدة من أقدم وأذكى الاستراتيجيات السياسية والعسكرية عبر التاريخ، وتقوم فكرتها الأساسية على تفتيت قوة الخصم أو المجتمع إلى أجزاء صغيرة متناحرة، مما يسهل السيطرة عليهم جميعاً.
إليك تحليل لهذه السياسة من عدة جوانب:
1. الآلية الجوهرية
تعتمد الاستراتيجية على خلق أو تعميق الفوارق بين المجموعات بناءً على:
• الهوية: (عرقية، دينية، أو مذهبية).
• الطبقة الاجتماعية: (فقراء ضد أغنياء، ريف ضد مدن).
• التوجه السياسي: (تغذية الصراعات الحزبية الداخلية).
بمجرد أن يبدأ "الاستقطاب"، ينشغل الجميع بالصراع البيني بدلاً من مواجهة القوة المسيطرة أو العدو المشترك.
2. التكتيكات المستخدمة
• دعم الأقلية: تقريب فئة معينة ومنحها امتيازات على حساب الأغلبية، مما يخلق حقداً طبقياً واجتماعياً يمنع توحدهم.
• صناعة النخب الموالية: تربية طبقة من القيادات ترتبط مصلحتها بوجود "المسيطر" لا بمصلحة الشعب.
• نشر الإشاعات: تضخيم المخاوف بين المكونات المختلفة (إيهام الطرف "أ" بأن الطرف "ب" يخطط لإبادته).
3. أمثلة تاريخية
• الاستعمار الأوروبي: برعت بريطانيا وفرنسا في تطبيق هذه السياسة في الهند وأفريقيا والدول العربية عبر رسم حدود تدمج أعراقاً متنافرة أو تفصل بين عوائل ممتدة، مما يضمن صراعات حدودية دائمة.
• الحروب الأهلية: في كثير من النزاعات الحديثة، تتدخل قوى خارجية لدعم طرف ضد آخر لا لإنهاء الحرب، بل لضمان بقاء الدولة في حالة "استنزاف دائم".
4. الأبعاد النفسية (سيكولوجية الجماهير)
تلعب هذه السياسة على "غريزة القطيع" وخوف الإنسان من "الآخر". عندما يشعر الفرد بالتهديد، يلجأ للانغلاق داخل هويته الضيقة (عشيرته أو حزبه)، وهو ما يضعف مفهوم "الهوية الوطنية" الكبرى التي يمكن أن توحد الصفوف.
كيف يتم كسر هذه السياسة؟
الحل الوحيد لمواجهة "فرق تسد" هو الوعي الجماعي، والذي يتلخص في:
1. تحديد العدو الحقيقي: إدراك أن الصراعات الجانبية هي مجرد "أدوات" لإشغال المجتمع.
2. إيجاد القواسم المشتركة: التركيز على المصالح الاقتصادية والأمنية التي تجمع الكل.
3. الحوار المباشر: كسر حواجز الخوف بين المكونات المختلفة بعيداً عن الوساطة "المسيطرة".