الرئيسة/  مقالات وتحليلات

بين مطرقة 'سايكس بيكو' وسندان الجدل البيزنطي: قراءة في انقسام الوعي العربي تجاه الصراع الإقليمي

نشر بتاريخ: 2026-03-10 الساعة: 23:39

المصدر : جريدة القدس 

في لحظات التحول الكبرى التي تشهدها المنطقة، تبرز الأسئلة السياسية كمرآة تعكس عمق الانقسام في طريقة تفكيرنا وتشكيل مواقفنا. الحرب الدائرة اليوم بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، أعادت إلى الواجهة جدلاً قديماً يتسم بالحدة والتشظي في المواقف العربية والإسلامية. هذا الجدل يذكرنا بالقصص الرمزية عن 'الجدل البيزنطي' الذي انشغل فيه الناس بتفاصيل هامشية بينما كانت أسوار مدنهم تنهار أمام الغزاة.

إن الحالة الراهنة ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي اختبار حقيقي للوعي السياسي والديني والاجتماعي. الانقسام الذي نراه اليوم يعكس انفصالاً بين الفكر والواقع، حيث تغرق النخب والعامة في مناظرات عقيمة بينما الخطر الحقيقي يحيط بالجميع. هذه القصص التراثية تشخص حالة الضعف الحضاري التي تتكرر عندما يصبح الكلام معزولاً عن الفعل والواقع الميداني.

يلجأ السياسيون غالباً إلى خلط الدين بالسياسة لإنتاج مواقف صلبة يصعب التراجع عنها، وهو ما نراه بوضوح في الصراع الحالي. فالمواجهة بين إيران والمحور الأمريكي الإسرائيلي ليست دينية أو قومية خالصة، بل هي صراع مركب لامتلاك القوة والنفوذ. تُستخدم الهويات الدينية هنا كأدوات تعبئة فعالة لشحذ الهمم وشرعنة التحركات العسكرية تحت غطاء من القداسة.

تصيغ الولايات المتحدة وإسرائيل الصراع بوصفه مواجهة مع 'الخطر الشيعي الإيراني' بهدف حرف البوصلة عن القضية الفلسطينية. في المقابل، تقدم إيران نفسها كراعية لـ 'محور المقاومة' في مواجهة 'الاستكبار العالمي'، وهو خطاب يهدف لشرعنة نفوذها الإقليمي. وبين هذين الخطابين، يجد الإنسان العربي نفسه مشتتاً بين قراءات متناقضة للواقع السياسي والعقدي.

ينقسم الشارع العربي حيال هذا الصراع إلى ثلاث فرق رئيسية، لكل منها منطلقاتها الخاصة. الفرقة الأولى ترى في إيران عدواً عقدياً يفوق خطره التهديد الإسرائيلي، منطلقة من رؤية هوياتية ضيقة. أما الفرقة الثانية، فتصطف مع إيران سياسياً لمواجهة المشروع الصهيوني الذي تراه خطراً وجودياً يستهدف الأمة بأكملها بغض النظر عن الخلافات المذهبية.

الفرقة الثالثة تتبنى موقف 'المتفرج الشامت'، حيث ترى في أي أذى يلحق بإيران عقاباً على سياساتها في دول عربية مثل سوريا والعراق واليمن. هذا الموقف يتجاهل الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب، ولا يبالي بحمم النيران التي قد تصيب المدنيين. هذه المواقف الثلاثة ليست مجرد آراء عابرة، بل هي تعبير عن هويات نفسية واجتماعية تتصارع داخل الوعي الجمعي.

تغيب القاعدة الفقهية 'لا إنكار فيما اختلف فيه' عن واقع المسلمين اليوم، مما يحول الخلاف في الرأي إلى خصومة دينية عميقة. الواقع يشير إلى أن الخلافات لا تموت بل تتجدد في كل مناسبة، سواء كانت فقهية بسيطة أو سياسية كبرى. هذا العجز عن إدارة الاختلاف يحول القضايا إلى أزمات وجودية تزيد من حالة التشرذم والضعف العام.

الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي اختبار لوعينا السياسي وقدرتنا على قراءة الصراع دون أن نتحول إلى أدوات يستخدمها هذا الطرف أو ذاك.
إن الخلافات بين المسلمين لم تعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحولت إلى هويات نفسية تمنح أصحابها شعوراً بالتفوق الأخلاقي. كما أنها ترتبط بذاكرة اجتماعية تشكلت عبر تجارب مريرة وقوميات متباينة، تأثرت بحدود 'سايكس بيكو' المصطنعة. كل طرف يحاول إلباس موقفه السياسي ثوباً دينياً ليمنحه قوة رمزية قادرة على حشد الأتباع.

لفهم هذا الانقسام، يجب العودة إلى الجذور التاريخية للخلاف السني الشيعي الذي بدأ كصراع سياسي على السلطة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. مع مرور الزمن، تحول هذا الخلاف السياسي إلى فجوة عقدية، ثم إلى حدود سياسية بين إمبراطوريات كبرى كالعثمانيين والصفويين. اليوم، تُستدعى هذه الجروح الرمزية مثل أحداث كربلاء والفتنة الكبرى لتغذية الصراعات المعاصرة.

تستغل القوى الدولية هذا الانقسام التاريخي لتفتيت المنطقة وتحقيق غايات جيوسياسية مغلفة بالدين. فبينما تصدر إيران خطاب 'المستضعفين'، يركز خصومها على ملفات خلافية مثل 'سب الصحابة' رغم وجود فتاوى تحرم ذلك. هذا التوظيف المتبادل للتاريخ يجعل من الشعوب وقوداً لحروب لا تخدم سوى مصالح القوى الكبرى والهيمنة الخارجية.

السؤال الجوهري الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس مع من نقف، بل كيف نفهم الصراع دون أن نتحول إلى أدوات في أيدي الآخرين. الميزان الحقيقي لحماية الوعي يكمن في إدراك أن الدول لا تمثل الدين بالضرورة، بل تمثل مصالحها السياسية. كما يجب التأكيد على أن فلسطين تظل القضية المركزية التي لا ينبغي أن تضيع في زحام الخلافات المذهبية.

إن انشغالنا بالجدل 'البيزنطي' حول تفاصيل عقدية وتاريخية يمنح القوى الاستعمارية فرصة ذهبية لإعادة صياغة المنطقة وفق مصالحها. الخلاف السني الشيعي يجب ألا يستخدم لطمس السؤال الأهم حول أسباب ضعف الأمة وتراجعها الحضاري. نحن بحاجة إلى قراءة واعية تفرق بين الثوابت الدينية والمناورات السياسية التي تستخدم المقدس لتحقيق أهداف دنيوية.

الحرب الحالية هي اختبار لمدى نضجنا وقدرتنا على تجاوز الجراح المفتوحة التي يُعاد نكؤها في كل صراع جديد. التاريخ يُكتب اليوم أمام أعيننا، وقدرتنا على الفهم هي الفاصل بين أن نكون فاعلين على أرضنا أو مجرد مراقبين هامشيين. الاستمرار في الانقسام يعني البقاء في دور 'الصبيان' الذين يجمعون الكرات الطائشة في ملاعب الكبار، ويتلقون الضربات دون قدرة على الرد.

في الختام، يظل الوعي هو السلاح الأقوى في مواجهة محاولات التفتيت والتدجين السياسي. إن تجاوز 'سايكس بيكو' النفسية والسياسية يتطلب شجاعة في مراجعة المواقف والتحرر من أسر الصراعات التاريخية التي لم تعد تخدم سوى أعداء الأمة. الطريق نحو المستقبل يبدأ من فهم الحاضر بعيداً عن تشنجات الماضي واصطفافات القوى التي لا ترى فينا سوى أدوات لمشاريعها الخاصة.

mat
Developed by: MONGID | Software House الحقوق محفوظة مفوضية الإعلام والثقافة © 2026