في غزة.. بناء البشر أولى من بناء الحجر
نشر بتاريخ: 2026-03-08 الساعة: 03:21
د. أحمد أبو خماش*
هذه هي رسالة هيئة التوجيه الوطني والمعنوي:
في زمنٍ تتسابق فيه الأمم إلى تشييد الأبراج وشقّ الطرق ورفع الجدران، يغيب عن كثيرين أن أعظم بناء ليس ما يُرى بالعين، بل ما يُغرس في القلب والعقل. فالحجر مهما ارتفع، يبقى صامتاً؛ أما الإنسان فإذا صلح، عمّر الأرض بالحق والعدل والإتقان. وبفساده تنهار المدن مهما علا سقفها. لقد أراد الله الإنسان خليفةً في الأرض، يعمّرها بالخير، ويزرع فيها القيم قبل أن يغرس الحجارة، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي طلب منكم إعمارها بالحق والعدل والإتقان، لا بالفساد ولا بالمظاهر الزائلة. فما قيمة الحجر إن سكنه قلبٌ قاسٍ؟ وما جدوى المدن اللامعة إذا خلت من الرحمة والصدق والإحسان؟ إن بناء الوعي أسمى من تكديس الأبراج، وبناء الإنسان أصل كل نهضة؛ لأن الإنسان حين يُبنى على الإيمان والعلم والأخلاق، يصنع من الفقر غنى، ومن الضعف قوة، ومن الخراب بداية جديدة. وقد لخّص النبي ﷺ رسالة السماء بقوله: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، في إشارة واضحة إلى أن جوهر الرسالة تزكية الإنسان قبل تشييد العمران.
من هنا، يصبح سؤال ما بعد الحرب في فلسطين أعمق من إعادة إعمار البيوت: كيف نعيد بناء الذات قبل إعادة بناء الحجر؟ فحين يهدأ صدى المدافع وتبقى رائحة الركام عالقة في الذاكرة، لا يكون التحدي في عدد البيوت التي ستُشيَّد، بل في عدد القلوب التي ستُرمَّم. لقد تركت الحرب على غزة ندوباً عميقة في جسد المجتمع. ولم تقتصر على البنية التحتية، بل امتدت إلى الأعماق النفسية للأفراد، حيث تراكمت الصدمات، وتضاعفت مشاعر الخوف والقلق وفقدان الأمان، خاصة لدى الأطفال واليافعين. لذلك فإن أي مشروع لإعادة البناء لا يضع الإنسان في مركزه، سيظل مشروعاً منقوصاً مهما بلغت كلفته وأرقامه. وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يقتصر التعليم بعد الحرب على استئناف الدروس، بل يجب أن يتحول إلى ورشة وعي شاملة تعيد تشكيل العقل النقدي، وتعزز قيم المسؤولية والمبادرة، وتنقل الأجيال من عقلية الضحية إلى عقلية الفاعل القادر على التغيير. فالمدرسة والجامعة ليستا مؤسستين معرفيتين فحسب، بل هما معامل لإعادة صياغة الشخصية الوطنية الواعية. إن إعادة بناء الإنسان تبدأ من مقاعد الدراسة، حيث تُغرس قيم الانتماء للقيم قبل الأشخاص، والعمل قبل الشعارات، والإبداع قبل الاتكالية.
كما أن أي مشروع لإعادة البناء يتجاهل الشفاء النفسي المجتمعي، سيبقى مشروعاً ناقصاً، فالشفاء النفسي المجتمعي ليس هامشاً إنسانياً مؤقتاً، بل ركيزة أصيلة في عملية الإعمار. فالإنسان المثقل بالصدمة لا يستطيع أن يكون شريكاً فاعلاً في صناعة المستقبل. لذلك يصبح الدعم النفسي، وإعادة ترميم الشعور بالأمان، وبناء بيئات حاضنة مطمئنة، جزءاً أصيلاً، واستثماراً استراتيجياً من عملية الإعمار لا هامشاً إنسانياً مؤقتاً. فالمجتمع المتماسك نفسياً هو القادر على تحويل الألم إلى طاقة بناء، والذاكرة الجريحة إلى وعيٍ أكثر نضجاً وصلابة. ويزداد التحدي تعقيداً في ظل واقع اقتصادي هش، حيث شهدت الأسواق ارتفاعاً حاداً في أسعار السلع واختفاء بعض المنتجات فور اندلاع الأزمات، كما حدث مع إعلان الحرب على إيران، حين اندفع الأهالي لتخزين احتياجاتهم، فاستغل بعض التجار حاجة الناس، ما عمّق المعاناة وأصاب الثقة المجتمعية بجرح جديد. إن هذا المشهد يكشف أن إعادة بناء الإنسان لا تنفصل عن ترسيخ العدالة الاقتصادية وضبط سلوك الأسواق بقيم المسؤولية والمصداقية. فاقتصاد بلا ضمير يهدم ما تبنيه مشاريع الإعمار، وعدالة السوق جزء من كرامة المجتمع.
غير أن النهوض الحقيقي والبناء لا يكتمل بالإسمنت وحده؛ فما دمنا نعيد بناء البيوت دون أن نعيد بناء الثقة، سنظل نحمل أنقاضاً غير مرئية داخلنا. فالتحدي الأكبر ليس في تعويض الخسائر المادية، بل في ترميم العلاقة بين المواطن والمؤسسة، بين الأجيال، بين فصائل المجتمع ومكوّناته. ولن تستقيم عملية البناء ما لم تُؤسَّس على قواعد من الشفافية والمساءلة، بحيث يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن الموارد تُدار بعدالة، وأن الفرص تُوزَّع وفق الكفاءة لا الولاء. فإعادة الثقة بالمؤسسات ليست قضية إدارية فحسب، بل هي مسألة كرامة جماعية، لأن المجتمع الذي يفقد ثقته بإدارته يفقد تدريجياً إيمانه بجدوى المشاركة والعمل العام. فصلاح الإنسان هو الركيزة الأولى للبناء، وبفساده تنهار الأوطان مهما ارتفعت حجارتها. فما بعد الحرب يجب أن يكون لحظة مراجعة شاملة: كيف نعيد تعريف مفهوم الانتماء بحيث يكون انتماءً للقيم قبل الأشخاص؟ كيف نحوّل طاقة الغضب والألم إلى طاقة عمل وإبداع؟ كيف نغرس في الجيل الجديد قناعة أن الحرية لا تكون إلا حين يتحرر المجتمع من الخوف، ومن الفساد، ومن التبعية؟
نحن بحاجة إلى مصالحة مجتمعية تشفي الجراح الداخلية، وإلى عدالة اجتماعية تعيد التوازن، وإلى خطاب وطني جامع يضع الإنسان في قلب المشروع الوطني. فالوحدة ليست شعاراً سياسياً، بل شرطاً أخلاقياً لسلامة البناء. إن قوة المجتمع تكمن في تماسكه، وفي قدرته على التكافل والمسؤولية المشتركة. لقد قال الشاعر محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، واليوم نحن مدعوون أن نضيف: وعلى هذا المجتمع ما يستحق أن نعيد بناءه من القلب. فالحجارة تُهدم والزمن يطويها، أما القيم والمعاني التي تُغرس في البشر فتبقى وتثمر جيلاً بعد جيل. إن ما بعد الحرب ليس مرحلة ترميم مؤقت، بل لحظة تأسيس تاريخي يمكن أن تُعيد صياغة العقد الاجتماعي الفلسطيني على أسس من الشراكة والوحدة وتكافؤ الفرص. فإما أن نستثمر الألم في. بناء نموذج أكثر عدلاً ووعياً، وإما أن نكرر أنماطاً قديمة لا تنتج إلا هشاشة جديدة تحت سطح البناء الظاهري.
إن إعادة بناء الذات ليست رفاهية فكرية، بل شرطٌ وطني وأخلاقي لولادة فلسطين أكثر إنسانية، وأكثر وعياً وعدلاً، وأكثر قدرة على تحويل المأساة إلى مشروع حياة. فلا شك أن في قلب كل فلسطيني الآن رغبة في النهوض، لكنها تحتاج إلى من يوجّهها نحو بناء مجتمعي واعٍ، عادل، متماسك، وقادر على استدامة الحياة رغم قسوتها. فلنوجّه طاقاتنا نحو بناء العقول قبل الجدران، وتربية الضمائر قبل تعبيد الطرق، لأن الحضارة التي تُبنى بالإنسان الصالح لا تسقط، حتى وإن سقطت جدرانها. فالوطن ليس مساحة جغرافية تُعاد هندستها، بل هو منظومة إنسانية تُعاد صياغتها. وإذا نجحنا في إعادة بناء الإنسان، فإن الحجر سيتبع حتماً؛ أما إذا بدأنا بالحجر وأهملنا الإنسان، فسنظل نعيد الإعمار في دائرة لا تنتهي.
-------------
* مدير لجنة الإغاثة في هيئة التوجيه الوطني والمعنوي/ المحافظات الجنوبية
mat